فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الفخر:

واعلم أن قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين} يدل على أن الفعل موقوف على حصول الداعي، ويدل على أن حصول الداعي ليس إلا من قبل الله تعالى.
أما بيان الأول: فهو أن حال انهزام القوم لم تحصل داعية السكون والثبات في قلوبهم، فلا جرم لم يحصل السكون والثبات، بل فر القوم وانهزموا ولما حصلت السكينة التي هي عبارة عن داعية السكون والثبات رجعوا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وثبتوا عنده وسكنوا فدل هذا على أن حصول الفعل موقوف على حصول الداعية.
وأما بيان الثاني: وهو أن حصول تلك الداعية من الله تعالى فهو صريح.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ} والعقل أيضًا دل عليه، وهو أنه لو كان حصول ذلك الداعي في القلب من جهة العبد، لتوقف على حصول داع آخر ولزم التسلسل، وهو محال.
ثم قال تعالى: {وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} واعلم أن هذا هو الأمر الثاني الذي فعله الله في ذلك اليوم، ولا خلاف أن المراد إنزال الملائكة، وليس في الظاهر ما يدل على عدة الملائكة كما هو مذكور في قصة بدر، وقال سعيد بن جبير: أمد الله نبيه بخمسة آلاف من الملائكة ولعله إنما ذكر هذا العدد قياسًا على يوم بدر، وقال سعيد بن المسيب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم، فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء، تلقانا رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا، وأيضًا اختلفوا أن الملائكة هل قاتلوا ذلك اليوم؟ والرواية التي نقلناها عن سعيد بن المسيب تدل على أنهم قاتلوا ومنهم من قال إن الملائكة ما قاتلوا إلا يوم بدر وأما فائدة نزولهم في هذا اليوم فهو إلقاء الخواطر الحسنة في قلوب المؤمنين.
ثم قال تعالى: {وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ} وهذا هو الأمر الثالث الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، والمراد من هذا التعذيب قتلهم وأسرهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم.
واحتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد خلق الله، لأن المراد من التعذيب ليس إلا الأخذ والأسر وهو تعالى نسب تلك الأشياء إلى نفسه وقد بينا أن قوله: {ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ} يدل على ذلك فصار مجموع هذين الكلامين دليلًا بينًا ثابتًا، وفي هذه المسألة قالت المعتزلة: إنما نسب تعالى ذلك الفعل إلى نفسه لأنه حصل بأمره، وقد سبق جوابه غير مرة.
ثم قال: {وذلك جَزَاءُ الكافرين} والمراد أن ذلك التعذيب هو جزاء الكافرين، واعلم أن أهل الحقيقة تمسكوا في مسألة الجلد مع التعزيز بقوله: {الزانية والزانى فاجلدوا} [النور: 2] قالوا الفاء تدل على كون الجلد جزاء، والجزاء اسم للكافي، وكون الجلد كافيًا يمنع كون غيره مشروعًا معه.
فنقول: في الجواب عنه الجزاء ليس اسمًا للكافي، وذلك باعتبار أنه تعالى سمى هذا التعذيب جزاء، مع أن المسلمين أجمعوا على أن العقوبة الدائمة في القيامة مدخرة لهم، فدلت هذه الآية على أن الجزاء ليس اسمًا لما يقع به الكفاية. اهـ.

.قال السمرقندي:

{ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ} يعني: رحمته {وَعَلَى المؤمنين وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا}، يعني: خمسة آلاف من الملائكة وفي الآية دليل أن المؤمن لا يخرج من الإيمان وإن عمل الكبيرة، لأنهم ارتكبوا الكبيرة، حيث هربوا وكان عددهم أكثر من عدد المشركين، فسماهم الله تعالى مؤمنين.
{وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ}، يعني: بالقتل والهزيمة.
{وَذَلِكَ} يعني: ذلك العذاب {جَزَاء الكافرين}، أي عقاب. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ...} الآية، وفي السكينة ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها الرحمة، قاله علي بن عيسى.
والثاني: أنها الأمن والطمأنينة.
والثالث: أنها الوقار، قاله الحسن.
{وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} فيه وجهان:
أحدهما: الملائكة.
والثاني: أنه تكثيرهم في أعين أعدائهم، وهو محتمل.
{وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} فيه وجهان:
أحدهما: بالخوف والحذر.
والثاني: بالقتل والسبي. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {ثم أنزل الله سكينته} الآية.
{ثم} هاهنا على بابها من الترتيب، والسكينة النصر الذي سكنت إليه ومعه النفوس والحال، والإشارة بالمؤمنين إلى الأنصار على ما روي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى في ذلك اليوم يا معشر الأنصار، فانصرفوا وهو ردوا الهزيمة، والجنود الملائكة، والرعب قال أبو حاجز يزيد بن عامر كان في أجوافنا مثل ضربة الحجر في الطست من الرعب، وعذاب الذين كفروا هو القتل الذي استحرَّ فيهم والأسر الذي تمكن في ذراريهم، وكان مالك بن عوف النصري قد أخرج الناس بالعيال والذراري ليقاتلوا عليها، فخطأه في ذلك دريد بن الصمة، وقال لمالك بن عوف راعي ضأن وهل يرد المنهزم شي؟ وفي ذلك اليوم قتل دريد بن الصمة القتلة المشهورة، قتله ربيعة بن رفيع بن أهبان السلمي، ويقال ابن الدغنة. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ} أي: بعد الهزيمة.
قال أبو عبيدة: هي فَعِليةٌ من السكون، وأنشد:
لِلّهِ قَبْرٌ غَالَها ماذا يُجِنُّ ** لقد أَجَنَّ سكينةً وَوَقارا

وكذلك قال المفسرون: الأمن والطمأنينة.
قوله تعالى: {وأنزل جنودًا لم تروها} قال ابن عباس: يعني: الملائكة.
وفي عددهم يومئذ ثلاثة أقوال:
أحدها: ستة عشر ألفًا، قاله الحسن.
والثاني: خمسة آلاف، قاله سعيد ابن جبير.
والثالث: ثمانية، قاله مجاهد، يعني: ثمانية آلاف.
وهل قاتلت الملائكة يومئذ، أم لا؟ فيه قولان.
وفي قوله: {وعذَّب الذين كفروا} أربعة أقوال:
أحدها: بالقتل، قاله ابن عباس، والسدي.
والثاني: بالقتل والهزيمة، قاله ابن أبزى، ومقاتل.
والثالث: بالخوف والحذر ذكره الماوردي.
والرابع: بالقتل، والأسر، وسبي الأولاد، وأخذ الأموال، ذكره بعض ناقلي التفسير. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {ثُمَّ أَنَزلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين} أي أنزل عليهم ما يُسكنهم ويذهب خوفهم، حتى اجترءوا على قتال المشركين بعد أن وَلوّا.
{وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكة؛ يقوّون المؤمنين بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ويُضعفون الكافرين بالتّجبِين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال؛ لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بَدْر.
ورُوي أن رجلًا من بني نصر قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البُلْق، والرجالُ الذين كانوا عليها بيض، ما كنا فيهم إلا كهيئة الشّامَة، وما كان قتلنا إلا بأيديهم.
أخبروا النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «تلك الملائكة» {وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ} أي بأسيافكم.
{وذلك جَزَاءُ الكافرين}. اهـ.

.قال الخازن:

{ثم أنزل الله سكينته} يعني بعد الهزيمة والسكينة والطمأنينة والأمنة، وهي فعلية من السكون وذلك أن الإنسان إذا خاف رجف فؤاده فلا يزال متحركًا وإذا أمن سكن فؤاده وثبت فلما كان الأمن موجبًا للسكون جعل لفظ السكينة كناية عن الأمن.
وقوله تعالى: {على رسوله وعلى المؤمنين} إنما كان إنزال السكينة على المؤمنين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ساكن القلب ليس عنده اضطراب كما حصل للمؤمنين من الهزيمة واضطراب في هذه الواقعة ثم من الله عليهم بإنزال السكينة عليهم حتى رجعوا إلى قتال عدوهم بعد الهزيمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت لم يفر {وأنزل جنودًا لم تورها} يعني الملائكة تثبيت المؤمنين وتشجيعهم وتخذيل المشركين وتجبينهم لا للقتال لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر {وعذب الذين كفروا} يعني بالأسر والقتل وسبي العيال والأموال {وذلك جزاء الكافرين} يعني في الدنيا ثم إذا أفضوا إلى الآخرة كان لهم عذاب أشد من ذلك العذاب وأعظم. اهـ.

.قال أبو حيان:

{ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين}
السكينة: النصر الذي سكنت إليه النفوس، قاله ابن عطية.
وقال الزمخشري: رحمته التي سكنوا بها.
وقيل: الوقاء والثبات بعد الاضطراب والقلق، ويخرج من هذا القول الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يزل ثابت الجأش ساكنه، وعلى المؤمنين ظاهره شمول مَنْ فرَّ ومَنْ ثبت.
وقيل: هم الأنصار إذ هم الذين كروا وردّوا الهزيمة.
وقيل: من ثبت مع الرسول صلى الله عليه وسلم حالة فرّ الناس.
وقرأ زيد بن علي: سِكينته بكسر السين وتشديد الكاف مبالغة في السكينة.
نحو شرّيب وطبيخ.
{وأنزل جنودًا لم تروها} هم الملائكة بلا خلاف، ولم تتعرض الآية لعددهم.
فقال الحسن: ستة عشر ألفًا.
وقال مجاهد: ثمانية آلاف.
وقال ابن جبير: خمسة آلاف.
وهذا تناقض في الأخبار، والجمهور على أنها لم تقاتل يوم حنين.
وعن ابن المسيب: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما كشفنا المسلمين جعلنا نسوقهم، فلما انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء تلقانا رجال بيض الوجوه حسانها فقالوا: شاهت الوجوه، ارجعوا فرجعنا، فركبوا أكتافنا.
والظاهر انتفاء الرؤية عن المؤمنين، لأن الخطاب هو لهم.
وقد روي أنّ رجلًا من بني النضير قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق والرجال الذين كانوا عليها بيض ما كنا فيهم إلا كهيئة الشامة، وما كان قتلنا إلا بأيديهم؟ فأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «تلك الملائكة» وقيل: لم تروها، نفى عن الجميع، ومن رأى بعضهم لم ير كلهم.
وقيل: لم يرها أحد من المسلمين ولا الكفار، وإنما أنزلهم يلقون التثبيت في قلوب المؤمنين والرعب والجبن في قلوب الكفار.
وقال يزيد بن عامر: كان في أجوافنا مثل ضربة الحجر في الطست من الرعب.
{وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين} أي بالقتل الذي استحر فيهم، والأسر لذراريهم ونسائهم، والنهب لأموالهم، وكان السبي أربعة آلاف رأس.
وقيل: سنة آلاف، ومن الإبل اثنا عشر ألفًا سوى ما لا يعلم من الغنم، وقسمها الرسول بالجعرانة، وفيها قصة عباس بن مرداس وشعره.
وكان مالك بن عوف قد أخرج الناس للقتال والذراري ليقاتلوا عليها، فخطأه في ذلك دريد بن الصمة قال: هو يرد المنهزم شيء؟ وفي ذلك اليوم قتل دريد القتلة المشهورة، قتله ربيعة بن رفيع بن أهبان السلمي ويقال له: ابن الدغنة. اهـ.